مجمع البحوث الاسلامية
868
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ النّمل : 10 ، 11 ، وهذا أقرب . ج - قال أبو حيّان : « في لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ : ( للنّاس ) خبر ( يكون ) و ( عليكم ) في موضع نصب على الحال ، وهو في الأصل صفة للحجّة ، فلمّا تقدّم عليها انتصب على الحال ، والعامل فيها محذوف ، ولا يجوز أن يتعلّق ب ( حجّة ) ، لأنّه في معنى الاحتجاج ، ومعمول المصدر المنحلّ بحرف مصدريّ ، والفعل لا يتقدّم على عامله » إلى آخر ما قال . وهذا تكلّف جاء من قبل البحوث النّحويّة ، والآية واضحة بدونها إذا قدّمنا وأخّرنا ، أي لئلّا تكون حجّة للنّاس عليكم . فكلّ من ( للنّاس ) و ( عليكم ) متعلّق ب ( حجّة ) و ( يكون ) تامّة ، أي لا توجد حجّة لهم عليكم ، وتأخيرها لرويّ الآيات . د - أوّل القشيريّ الآية هكذا : « إذا أردت ألّا يكون لأحد عليك سبيل ، ولا يقع لمخلوق عليك ظلّ ، ولا تصل إليك بالسّوء يد ، فحيثما كنت وأينما كنت وكيفما كنت ، كن لنا ، وكن منّا فإنّ من انقطع إلينا لا يتطرّق إليه حدثان » . وليس هذا تأويلا بل انتقال من الآية إلى معنى عرفانيّ كأكثر تأويلاتهم بمناسبة ذوقيّة ، كتتابع الخاطرات من شيء إلى آخر . ه - استفاد الطّباطبائيّ من لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ إلى آخر الآية ثلاث فوائد : علم اليهود بأنّ النّبيّ الموعود قبلته الكعبة ، وأنّ ملازمة المسلمين لهذه القبلة تسوقهم إلى تمام النّعمة ، وأنّهم سيهتدون بها إلى الصّراط المستقيم . وللبحث في هذه الآية وكلّ آيات القبلة مجال واسع ، لاحظ « ق ب ل : قبلة » . ثانيتها : ( 24 ) خطاب المشركون فإنّ السّورة مكّيّة ، واستشهد اللّه عليهم بما أوصى به الأنبياء قبله : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً - إلى - وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ الشّورى : 13 ، 14 ، ثمّ رجع إلى المشركين وقال : فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ الشّورى : 15 و 16 . وعليه فهذه الضّمائر خطابا وغيبة راجعة إلى المشركين ، دون اليهود - كما عن ابن عبّاس ومجاهد - فأمر اللّه نبيّه أوّلا بإدامة الدّعوة لهم والاستقامة في سبيله كما أمر ، ونهاه ثانيا عن اتّباع أهواءهم ، وأمره ثالثا بأن يقول لهم تسجيلا لدعوته في التّوحيد ، ومغزى رسالته ، وموقفه من الكتب السّابقة ، وفي المعاد ، وإتماما للحجّة عليهم : وَقُلْ آمَنْتُ إلى آخرها . وفي خلالها تعرّض للحجّة مرّتين : 1 - لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ أي قد ظهر الحقّ فلم يبق مجال لإقامة الحجّة عليكم ، أو للبحث والمحاجّة بيننا وبينكم - قاله جماعة - أو الحجّة بمعنى الخصومة ، لأنّها لازمها بعد ردّها ، أي لا خصومة بيننا ولا قتال ، قاله بعضهم ، وادّعى أنّها منسوخة بآيات القتال .